المشربيات

يوفر نظام المشربية مزايا عدة للمكان الموجودة فيه، فهي تتيح لأهل المنزل رؤية مَن في الشارع دون أن يراهم أحد، وذلك لاختلاف كميات الضوء داخل المشربية عن خارجها إذ إنه أقل في الداخل بكثير عن الخارج، ويوفر ذلك خصوصية لأهل المنزل، ويأتي هذا متمشياً مع تعاليم الإسلام الحنيف.
إذا كانت النماذج المعمارية القديمة قد حققت منافع جمة، فلماذا تم الاستغناء عنها في الوقت الراهن؟
نجح فن العمارة الإسلامية في تحقيق التوازن التام بين الجوانب المادية والمشاعر الروحانية، من خلال مجموعة من القواعد والأسس والتراكيب التي توصل إليها كل من المعماري والفنان المسلم، وأمكنه من خلالها حل مشاكل البناء بحلول فعّالة، متوائمة تماماً مع عقيدته الدينية السمحة، وبما يحافظ على القيم والتقاليد الاجتماعية، مع توظيف معطيات بيئته، أو جلب ما لم يكن متوافراً في بيئته وتصنيعه وتعديله حتى يتوافق مع قيمه وبيئته.
ولقد حقق معالجة فعّالة في مجال تقنين الضوء باستخدام (المشربية) أو (الروشان) أو (الشنشيل) وكذلك نوافذ الزجاج المعشق بالجص.
ويجدر بنا التعريف بالمشربية ونوافذ الزجاج المعشق كمظهر من مظاهر العمارة الإسلامية جاء متوافقاً مع الظروف المختلفة للمجتمع الإسلامي، والمقصود بالمشربية ذلك الجزء البارز عن سمت حوائط جدران المباني التي تطل على الشارع أو على الفناء الأوسط للمنازل الإسلامية بغرض زيادة مساحة سطح الأدوار العليا، ويستند هذا الجزء البارز إلى (كوابيل) و (مدادات) من الحجر أو الخشب تربط الجزء البارز من المبنى، بينما تغطى الجوانب الرأسية الثلاثة لهذا الجزء البارز بحشوات من الخشب الخرط المكوّن من (برامق) مخروطية الشكل، دقيقة الصنع تجمع بطريقة فنية بحيث ينتج عن تجميعها أشكال زخرفية هندسية ونباتية أو كتابات عربية.
وسميت المشربية بهذا الاسم لوجود صلة وثيقة بين هذا الجزء من المبنى وبين أواني الشراب (القلل الفخارية) التي كانت توضع بها. وقد اتسع مدلول هذا المسمى (المشربية) ليشمل كل الأحجبة الخشبية المنفذة بطريقة الخرط والتي كانت تغطى فتحات النوافذ أو تفصل بين أجزاء المبنى المخصصة للرجال وتلك المخصصة للنساء، سواء كان ذلك في المنازل أو في المساجد.
وتعرف المشربية في بعض بلدان العالم الإسلامي باسم (روشن أو روشان) وهي تعريب للكلمة الفارسية (روزن) وتعني الكوّة أو النافذة أو الشرفة، وأيا كان المسمى، فإن الشكل لم يختلف إلا في بعض الجزئيات البسيطة التي أضفت على شكل المشربية طابعاً مميزاً وخاصاً بكل بلد من بلدان العالم الإسلامي، متوافقة في ذلك مع أهم خاصية من خصائص الفن الإسلامي وهي (الوحدة والتنوّع).
وقد وصل فن المشربية درجة كبيرة من الإتقان في مصر خلال العصر المملوكي، ويظهر ذلك بوضوح في القاطوع الخشبي المنقول من مدرسة السلطان حسن إلى متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، وفي مجموعة المشربيات في منزل زينب خاتون وغيرها، إلا أن فن المشربية تظهر أجمل نماذجه في منازل القاهرة ورشيد وفوه التي ترجع إلى العصر العثماني.
كما كانت المشربيات أو الرواشين عنصراً مميزاً في العمارة الحجازية وبخاصة في ينبع، التي بلغت فيها من الكثرة بحيث يتصل بعضها ببعض، أما بلاد اليمن وبصفة خاصة مدينة صنعاء وما حولها، فقد استعمل بها طراز يمني أصيل عبارة عن مشربيات مصنوعة من الحجر بدلاً من الخشب، ولم تعرف اليمن المشربيات الخشبية إلا في القرن 11هـ/17م وذلك بتأثير من الفن العثماني. هذا في الوقت الذي كان استعمال المشربيات على أضيق نطاق في فلسطين إذ إنه يكاد يقتصر على مدينة القدس دون غيرها من المدن، وفي مدينة المنامة والمحـرق في البحرين، توجد نماذج قليلة من المشربيات، وقد اتخذت المشربية طابعاً مختلفاً في كل من مدينة طرابلس في لبنان وسواكين في السودان، وفي بلاد المغرب، إذ إنها أقل إتقاناً من حيث أسلوب الخرط عمّا هي عليه في مصر وبلاد الحجاز واليمن.
مزايا المشربية
يوفر نظام المشربية مزايا عدة للمكان الموجودة فيه، فهي تتيح لأهل المنزل رؤية مَن في الشارع دون أن يراهم أحد، وذلك لاختلاف كميات الضوء داخل المشربية عن خارجها إذ إنه أقل في الداخل بكثير عن الخارج، ويوفر ذلك خصوصية لأهل المنزل، ويأتي هذا متمشياً مع تعاليم الإسلام الحنيف.
كما أن التكوين الهيكلي والزخرفي للمشربية يتفق تماماً مع الظروف المناخية لمعظم بلدان العالم الإسلامي والذي تسوده في معظم فصول السنة شمس ساطعة، وتعد المشربية من أحسن الحلول لهذه المظاهر الطبيعية، إذ إن الفتحات الضيقة التي تتخلل قطع الخرط تتحكم في كمية الضوء النافذ إلى الغرفة المقامة عليها المشربية، وتعمل بذلك على تلطيف درجة الحرارة من خلال النسيم الذي يمر من بين هذه الفتحات.
من ناحية أخرى، فإن طريقة الخرط في حد ذاتها تقوم على توظيف القطع الصغيرة من الخشب وذلك بخرطها وتجميعها فيتم الاستفادة بقطع الخشب مهما كان صغرها، وهذا يتناسب مع ظروف بلدان العالم الإسلامي التي تفتقد الأنواع الجيدة من الأخشاب وتستوردها من بلدان أخرى، لذلك فإن طريقة المشربية تمثل جانباً اقتصادياً مهماً، فقد كانت الأجزاء الصغيرة المتبقية من عمل الأسقف والأبواب والنوافذ وغيرها من وحدات البناء التي تعتمد على الخشب تستغل في تصنيع المشربية.
وإذا كان للمشربية نفع علمي وقيمة جمالية، فلماذا إذن فقدت دورها كعنصر عملي وجمالي في العصر الحاضر؟
في البداية، نؤكد أن المشربية ليست قاصرة عن تلبية متطلبات العصر، ولكن على العكس من ذلك، فإن استخدام المشربية يعتبر من الضرورة بمكان في هذا العصر خاصة بعد زيادة الكثافة السكانية في المدن ووجود العمائر المتقابلة التي تعتمد في الإضاءة والتهوية على فتحات في الجدران الخارجية وليست على الأفنية الداخلية للمنازل كما كان الحال في السابق، لذلك فإن المشربية تعتبر وكما كانت من قبل حلاً مقبولاً وعملياً لتحقيق الخصوصية.
كما أن الاعتقاد بارتفاع تكلفة المشربية أمكن التغلب عليها باستخدام خامات بديلة رخيصة الثمن مثل خشب النخيل بعد معالجته بالمواد التي تقاوم الحرارة والرطوبة. ولكن الأمر يتعلق بوجود اتجاهات معمارية وزخرفية بديلة معظمها وافد إلى العالم الإسلامي من الدول الغربية وإقبال الناس عليها وتجاهلهم لمفردات التراث الفني الإسلامي.

منقول بتصرف