أسلوب النوافذ

تعد مظهراً عريقاً من مظاهر الحضارة والفن الإسلامي، فمن المعتقد أن عمل المشربيات الخشبية المفرغة قد تأثر تأثراً تاماً بأسلوب النوافذ الحجرية المثقبة، والستائر الجصية المفرغة، ونوافذ الزجاج المعشق بالجص التي انتشرت في الكثير من بلدان العالم الإسلامي.
ومن الأمثلة المبكّرة للنوافذ الجصية المفرغة نوافذ قصر الحير الغربي ببادية الشام والجامع الأموي بدمشق وجامع عمرو بن العاص بالفسطاط في مصر وجامع أحمد بن طولون.
وكان الرأي السائد لدى علماء الفنون والآثار من قبل أن أول ظهور للنوافذ الجصية المعشقة بالزجاج كان في العصر الأيوبي وذلك في نوافذ قبة ضريح السلطـان الصالح نجم الدين أيوب الملحق بمدرسته بالنحاسين بالقاهرة والذي أضافته زوجته شجرة الدر بعد وفاته، ولكن الحفائر الأثرية أثبتت أن الزجاج المعشق بالجص استخدم منذ العصر الأموي، واستـمر في قصور الخلفاء العباسيين. كما استخـدمت في أواخر العصر الفاطمي ألواح من الجص معشق بالزجاج الملوّن بدلاً من الألواح الرخامية والحجرية المفرغة، وانتقل هذا الأسلوب الفني إلى عمارة العصر الأيوبي حيث بلغ أوج ازدهاره في العصر المملوكي، وأصبح من السمات المميزة للعمارة المدنية والدينية في العصر العثماني.
وإذا كانت بعض بلدان العالم الإسلامي قد عرفت أنواعاً أخرى من النوافذ مثل المدورات الرخامية اليمنية (القمريات)، التي كانت تتميز برقتها ولا يزيد سمكها عن سنتيمتر ونصف السنتيمتر بحيث تسمح بنفاذ الضوء من خلالها، والشماسات المغربية وهي عبارة عن نوافذ نصف دائرية توجد أعلى الأبواب والنوافذ وتغطى بالخشب والزجاج الملون وتسمح بدخول ضوء الشمس، فإنه مع دخول العثمانيين إلى العديد من البلاد الإسلامية أصبح أسلوب النوافذ الزجاجية المعشقة بالجص هو الأسلوب السائد.
منافع عملية
يحقق استخدام النوافذ الزجاجية المعشقة بالجص منفعة عملية وقيمة جمالية مثلها في ذلك مثل المشربية، فمن الناحية العملية، فإن استخدام هذه النوافذ يخفف الأحمال على الأعمدة الحاملة للعقود وعلى الجدران، كما أنها تمنع تسلسل الحشرات ودخول الأتربة إلى داخل المبنى، كذلك فإنها تقلل من تيارات الهواء شتاء وتخفف من حدة الضوء صيفاً، أما من الناحية الجمالية، فقد برع الفنان المسلم في ترتيب قطع الزجاج متعددة الألوان، بحيث تشكّل زخارف هندسية ونباتية وكتابية بديعة حتى يمكننا القول إن الفنان المسلم نجح في تحويل المواد الرخيصة من الجص وقطع الزجاج الملوّن إلى تحف فنية ثمينة، ومن ناحية أخرى، فإن القمريات والشمسيات تعطي تكوينات من الضوء والظلال والألوان تضفي على داخل المنزل جوّاً هادئاً مريحاً.
نوافذ الزجاج المعشق بالجص أحد إبداعات الحضارة الإسلامية التي استلهمها فنانو الغرب، مع استبدال الجص بشرائح من الرصاص تثبت بها قطع الزجاج، وذلك لملاءمة الرصاص للجو البارد الذي يسود أوربا، لكن الفنان الأوربي قام بترتيب قطع الزجاج بحيث تكون رسوماً آدمية وحيوانية ومناظر دينية (أيقونات) مختلفة في ذلك عن الطابع الزخرفي الذي تميّزت به الأعمال الفنية الإسلامية، وتشكل نوافذ الزجاج المعشق بالرصاص ملمحاً أساسيا ومميزاً في الكنائس والكاتدرائيات المنفذة حسب الطراز الفني القوطي والرومانسكي.
هذه لمحة عن جانب من جوانب التراث المعماري والفني الإسلامي القيّم، تتجلى فيه مظاهر الإبداع والتفرّد عن غيره من الفنون. هذا الجانب الذي أدركت بعض الهيئات والجهات والمراكز العلمية والحرفـية مدى أهميته، وأخذت على عاتقها مهمة إحيائه، واستخـدام مفرداته في فن الديكور والزخرفة الحـديثة، مؤكدة على الشخصية الفنية الإسلامية، ومحققة التواصل الثقافي والفني بين الأجيال، مع إضافة بعض سمات الحداثة دون طمس عناصر الأصالة.

منقول بتصرف