الخطاط التركي
الحاج أحمد الكامل

:

يُعتبر الخطاط الجاد أحمد الكامل من أقدر الخطاطين الذين كتبوا الخط العربي، فقد كان ذو بنية ضعيفة ولحية بيضاء وعينان كستنائيتان ينظر بهما متأملاً متفكراً، وهو صاحب ورع وتواضع ... كان محبوباً لكل من عرفه. ولد الخطاط أحمد الكامل بمدينة استانبول بمنطقة فندقلي مقابل كلية الفنون الجميلة سنة 1862، وبعد عدة سنوات احترق بيتهم، مما دفع عائلته للانتقال إلى بيتهم الجديد في منطقة الفاتح.
تلقى تعليمه الأول في المدرسة السلطانية سنة 1873، وتعرف على الخط من خلال دروس الأولى على يد الأستاذ سليمان أفندي الذي علمه حب الخط وأخذ عنه خطيّ النسخ والثلث، ومن ثم انتقل إلى مدرسة الفاتح للراشدين وحصل منها على الشهادة الدراسية التي خولته لدخول سلك الوظيفة الرسمية عام 1877 حيث عُيّن بوزارة الداخلية بقسم المحاسبة.
وفي عام 1894 انتقل ليشغل وظيفة رئيس قسم قلم الوزارة، وفي سنة 1909 رئيساً لديوان وزارة الدفاع، وبالرغم من تقلبه في وظيفته، فإنه لم يُهمل اللهيب المشتعل بداخله نحو الخط العربي.

تعرف إلى الخطاط الكبير سامي أفندي منذ 1879 والذي كان يُعتبر أشهر خطاطي عصره، وامتدت هذه الصحبة معه نحو 22 سنة حتى عام 1908، ولقد كانت سنوات الجد والاجتهاد والدراسة والمواظبة على التعلم ... فكان يذهب إلى بيت أستاذه سامي أفندي ثلاث أو أربع مرات أسبوعياً ، وفي كل مرة يبقى عنده ساعتين أو ثلاث ساعات، وقد كان يُلقى من أستاذه كل احترام وتقدير وإعجاب، لما عرف عنه من شوق وظمأ للتعلم بالإضافة إلى المستقبل الباهر الذي كان يراه له أستاذه، وتوثقت من هذه اللقاءات صلة طيبة كأنها صداقة أب لابنه.

في تلك الفترة كان يتدرب مباشرة على تمارين أستاذه، وكان يُدقق ويُحلل خطوط قدماء الخطاطين أحياناً ليكشف أسرارها، وكان يقضي أغلب ما تبقى من دروسه بالنقاش والاستفسار عن الخط والخطاطين وقدرتهم وتأثرهم وميولهم وتميزهم وأمور أخرى كان تلفت نظره وتشغل باله، مما جعله يشغل وقته بالبحث والنظر والعمل، وهكذا استمر حتى أصبح مجيداً لخطوط جلي الثلث والنسخ والديواني والطغراء والديواني الجلي.

ومن ذلك نرى أنه تعلم على يد سامي أفندي رحمه الله جميع الخطوط، وقد أجيز فيها تباعاً.

ولقد كان أحمد الكامل يكن كل الإعجاب لأستاذه، كان يشعر بأنه قريب منه بشكل خاص، وأن هذا الفن قد ربط بينهما كأنهما يعرفان بعضهما منذ الأزل. وقد تأثر بشدة بفن أستاذه المتمكن من فنه وإبداعه وأحبه أكثر، فعندما كان يذكره كان يقول ما تعلمت من الخط، فأنا مدين به لأستاذي رحمه الله فقد كان متقناً لجميع الخطوط.

ومما لاشك فيه أن الأستاذ سامي كان أستاذ العمالقة من الخطاطين، فهو أمهر من كتب الخط العربي على وجه البسيطة، فمن تلاميذه الحاج كامل، محمد نظيف، حقي، خلوصي، نجم الدين والطغرائي إسماعيل حقي وغيرهم. فقد كان الأستاذ سامي صاحب شخصية محبوبة ومؤثرة ذات نظرة دقيقة شفافة وصائبة ... وقد فاق الحاج كامل أستاذه بتحليل الأبحاث الخاصة ذات الطابع التخصصي الدقيق في هذا الفن، وقد اعتاد أن يذهب إلى سوق الصحفيين ليشتري كل ما كان يصادف من مخطوطات وكتابات غالية كانت أم رخيصة من خطوط الخطاطين الأوائل ثم يعود لبيته ويقوم بأبحاث وتحاليل وتمارين لحل أسرارها وكشف خباياها مقلداً حروفها بأسلوب علمي تفحصي.

وقد كان يقول: أن هذه المجموعة التي بحوزته من الخطوط والنماذج هي مرشده وأستاذه ومصدر إلهامه وهي مدرسته الحقيقية بعد أستاذه رحمه الله ... وبنتيجة ذلك أبدع في لوحاته أيما إبداع حتى باتت لوحاته مرجعاً مهماً ونموذجاً مميزاً في الخط العربي. حتى بدأ اسمه وشهرته تجوب الآفاق الأمر الذي دفعه سنة 1884 للبدء بإعطاء دروس الخط العربي للمبتدئين في بيته بمنطقة الفاتح، فخلال مدة بسيطة بلغ عدد طلابه المنتظمين على دروسه ستين طالباً، فقد نظم برنامجاً وأياماً معينة لكل منهم، وكان طلابه من الصغار والكبار ومن الأئمة وكان يقصد من ذلك مرضاة الله عز وجل ... دون أن ينظر إلى منفعة ماديّة على ذلك، وبالرغم من برنامجه المكثف والشاق فإن جُل اهتمامه وتركيزه كان ينصب على البحث وكشف خبايا هذا العلم والفن الأصيل، ومن أجل الإلمام بذلك فقد كان يندفع نحو أي نموذج للخط أياً كان نوعه، فقد كان يتدرب على أنواع الخطوط حتى أتقنها جميعها، وكان يعشق خطي الثلث والنسخ، وكان جُلّ همه أن يصل إلى مستوى صفوة أهل هذا الفن المبدعين، فقد كان خط النسخ في مخيلته دوماً حتى أثناء كتابته للخطوط الأخرى، ولشدة تأثره في هذا النوع من الخط أن ظل مشغولاً دوماً بالإعداد لكتابة المصحف الشريف لما في ذلك من شرف وثواب عند الله تعالى، ولما لهذه الكتابات من الاستمرارية وطول العمر. وقد اعتبر أن خط النسخ من أصعب الخطوط، وأن خبرة الخطاط تظهر جليّة فيه ... وكان يصطدم بمشكلة حقيقية لدى كتابته لخط النسخ ... ألا وهي أن خط النسخ لا يتحمل التصحيح ولا المسح، ولا حتى التعليم المسبق بقلم الرصاص ... فإذا حدث ذلك فإنه سيُفسده ويشوهه. وكان يعتبر أن خط النسخ يعكس مستوى الخطاط الحقيقي، ويحدد درجة مهارته، وبالرغم من عدم وجود نماذج كثيرة بهذا النوع من الخط لأستاذه سامي أفندي فإنه كان معجباً بأسلوبه ومتأثراً به، وكان مجمل همه ينصّب للوصول لمستوى عمالقة خط النسخ أمثال الحافظ عثمان. وقد أمضى فترة طويلة يُقلّد خط من سبقه من الكُتّاب مثل الشيخ حمد الله الأماسي مما ساعده على حفظ أسلوبه الفذ في كتابته.

وبالرغم من المرحلة المتقدمة التي استطاع الوصول إليها إلاّ أنّه كان غير راضٍ عن مستواه، وظل ينشد المزيد من التعلم والعلم الخفي والذي يكمن مجمل سرّه في قط القلم وبريه لما لقط القلم من أهمية قصوى، فقلم النسخ إن لم يكن مقطوطاً بصورة صحيحة، وميل مناسب فلن يكون الحرف بشكله الصحيح، ولن يعطي القلم الحبر الكافي لكتابة الحرف حتى ولو كان الكاتب متقناً لعلوم الخط وكتابته .. فهذه النقطة توضح ما للقط وبري القلم من أهمية في تثبيت وكشف أسرار الحرف في خط النسخ.

لقد جهد طويلاً في تحديد النسبة الفاضلة في قط القلم لما شكّلت له من قناعة راسخة على أهمية قط القلم ومواصفاته، ولأن مسائل الفن الأصيل لا تترك للصدفة، ولا يصح ترك جزء بسيط منها مهملاً مهما صغر ظناً منه أنه غير مهم، فقد كان يدقق بأصغر التفاصيل لأنها هي التي تظهر وجه العظمة والإبداع في الخط، ولما لها من حلقة وصل في كشف خبايا الأمور الدقيقة في الحرف، فقد كان يتدرب عليها دوماً من خلال المسودات والمشق والتكرار المتواصل ... هذا البرنامج المكثف والمفعم بالحيوية أكسبه حب وتقدير كل من عرفه، مما جعل الآخرين مجبرين على الاعتراف بقدرته الفائقة ومكانته العالية التي اكتسبها في هذا الفن الأصيل.

في تلك الفترة أثمرت جهود بعض الخطاطين لتكوين معهد تحت اسم مدرسة الخطاطين، إضافة للمدرسة التي افتتحها الأستاذ تحسين أفندي والتي درّس فيها الأستاذ أحمد كامل خطي النسخ والثلث في بادئ الأمر، ومن ثم درّس الخطوط المتنوعة، وقد لقب بلقب رئيس الخطاطين في الديوان السلطاني كلقب وظيفي لما له من مكانة فنية في فن الخط العربي، ورغم معاصرته لكبار وعمالقة هذا الفن فقد عُهد إليه أيضاً تعليم الخط العربي في مدرسة (غلاطة سراي)، وبعد الانقلاب الذي حدث للدولة العثمانية وتغير حروف الكتابة نحو الحرف اللاتيني فقد استمر بالتدريس بمدرسة الخطاطين التي تغيّر اسمها إلى مدرسة الفنون التزينية الشرقية، وقد عُيّن مديراً لها ومن ثم مسؤولاً إدارياً وفنياً عن الخطاطين فيها، وقد كان يعمل أيضاً بهذه الفترة مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة في استانبول.

دعاه ولي عهد مصر الأمير محمد علي باشا للقيام بالأعمال الكتابية لقصره المطل على النيل بحي المنيل بالقاهرة.

لقد عاش الحاج أحمد الكامل، وهو محافظاً على شعوره النقي والنظيف في كل شيء في حياته، فشفتاه لم تعرف القهقهة مطلقاً، ولكن كان ذو ابتسامة دوماً، وبالرغم من كل الأمور التي كانت تنقصه، فلم يأبه إلى ذلك، وعزاءه في ذلك إيمانه الكبير الذي أكسبه الطمأنينة والصبر والهدوء، لقد كانت حياته قصة درامية ظهرت جلية من خلال أعماله الفنية، فقد اعتاد في الأيام التي لا عمل وظيفي فيها بأن يفيق مبكراً ويقضي وقته بالكتابة والتحليل والتدريب إلى أن تغيب الشمس دون انقطاع، مما جعله معطاءً، فقد أثرى الفن الإسلامي بآلاف الأعمال الإبداعية، ولدى تفكرنا بأن هذه الأعمال قد صرف لها الجهد الكبير في محاولاته ومسوداته قد تصل إلى مئات الآلاف، فإنّما سنجد ونستشف بأن الجهد المبذول أكبر من الأعمال التي بين أيدينا، أي أن الجهد والمثابرة الفعلية عنده كانت كبيرة، فقد كان جل همه أن يُطبق هذه الهندسة الروحانية في فنه، ومن ذلك نجد بأنه لم يبتلى ببلاء غير هذا الفن، فلم يكن مدخناً ولم يشرب قطرة من الخمر قط، ولم يكن لديه أية عادة سيئة، ولم يكن رادعه في ذلك مجرد إيمانه الديني، وإنّما انشغاله التام بهذا الفن وتعلقه به، فقد كان يخاف من شيئين بعد الله هما أن ترجف يده أو تضعف عينه، فقد كان يعتني بصحته كي تساعده في مثابرته وكدّه أثناء تدربه وتعلمه، وهو على قناعة تامة بأن صحته إن لم تكن جيدة وسليمة، فلن يستطيع تقديم الفن السليم والجميل والإبداعي مما ... سبب له من خلال هذه القناعة أحياناً حالة نفسية ... فقد كان يحرص ويخاف أن تصدع يده، وكان يبتعد عن حمل الأشياء الثقيلة مخافة أن تتأذى أعصابه، وقد حرص أيضاً ألاّ يُكثر من الأكل، وقد أمضى عمره في الصيام والتقشف، مما ساهم ببقاء زنده طبيعياً رغم شيخوخته، محافظاً على نشاطه الدراسي والكتابي بشكل رائع، فقد ساعد ذلك بالمحافظة على المستوى الطيب الذي توصل إليه في هذا الفن، كان مستعداً لبذل حياته فداءً لفنه، فلم يكن ليده عشق آخر سوى فنه، وعندما سئل عن العشق أجاب أنه لم يجد وقتاً لذلك، فبموت زوجته فقد جزءاً كبيراً من ابتسامته، فقد كانت رفيقة درب حياته خلال ثلاثين سنة ونيف، وبفقدها لم يبق لغيرها عشق في قلبه، واصفاً إياها بالصديق الروحي له ولأطفاله، وكان معجباً بالطيور ولها مكانة خاصة في قلبه لشدة إعجابه بأشكالها وأسلوب طيرانها.

وظل للحرف العربي عاشقاً حتى توفاه الله في عام 1941 م – 1360هـ ودفن في مقبرة أيوب في استانبول.

وستبقى خطوطه خير شاهد على عظمته وتميز فنه، رحم الله خطاطنا الزاهد المتعبد وأسكنه فسيح جناته