المدينة والحداثة..جدار شاكر حسن آل سعيد الفني
ياسين النصير

1

يبقى مفهوم الجدار الفني من المفاهيم المستعصية على القبول النقدي،فهو مفهوم مستحدث ليس له توصيف نقدي سابق. لذا أبادر بالقول أنني استعرت المفهوم من فنون الكهوف ومن الفن السومري والبابلي الذي بقيت آثاره مرسومة على جدار. لأستدل به على الفن العراقي في مرحلة تاريخية من مراحل تطور الفن في بلاد الرافدين. وتعميما للظاهرة سحبت المفهوم على كل إنتاج الفنانين التشكيليين العراقيين، بان ما ينتجونه هو تواصل لذلك الجدار، وتعميق له .
في ضوء ذلك تطرقتُ في مقال سابق لمفهوم الجدار في الفن التشكيلي العراقي المعاصر، ووضعت المفهوم بعد أن وصًّفته في الإطار الرمزي – الواقعي، بأنه محاولة للاقتراب من إنجازات الفنانين العراقيين المعاصرين، ومن ثم فهمها لوضعها ضمن سياق الثقافة العراقية أولا، وضمن تيار الحداثة الذي اختص به الفن التشكيلي العراقي إلى جوار الشعر والعمارة ثانياً.. لذا فهو جدار يأتيه الفنان ليضع بصمته عليه، ثم يغادره، ليعود إليه ثانية، تاركا فسحة للآخرين كي يضعوا فيه بصمه أخرى. فعندما يكون للفن التشكيلي العراقي جدار بين جدران العالم، يمكن معاينته والإشارة إليه وأن يقال له جدار الفن العراقي بامتياز. ومن هنا يتحول المفهوم إلى ثقافة، تحمل خصوصيات مرحلة، وتؤشر لواقع محقق فنيا، وعندئذ يمكن مقارنته مع جدران عالمية أو عربية. وخلصت للقول أن جدار الفن العراقي، جدار منفتح على الرياح القديمة، وعلى التجريب، على المحلية حيث ينهل من ثقافتها وأشكالها، وعلى العالمية حيث يتأثر بثوابتها وتياراتها. جدار أقل ما فيه أن لغته الفنية تتجاور مع ما حولها من لغات ثقافية عراقية لتؤسس رؤية ترتبط بتطور الحداثة في مختلف شعبها : المدنية والثقافية. وقد شعرنا بأهمية الجدار الفني العراقي ونحن هنا في أوربا، حينما شاهدنا المعارض والمهرجانات الكبيرة للفنون التشكيلية، وإذا بالفن العراقي ضمن السياق والمهرجانات الكبيرة للفنون التشكيلية، وإذا بالفن العراقي ضمن السياق العالمي لحركة الحداثة، وله لغته، وله من يتأثر به ومن يشير إليه.. جدار هو تأكيد بأن العراقية روح محلق في سماوات أصيلة تمتد لآلاف السنين بتماثيلها الأكدية، وبوجوهها السومرية وخطوطها وكتابتها البابلية وآثارها الأشورية. لا نقول ذلك لمجرد أن الروح العراقي يتعرض اليوم لإمحاء سياسي مقصود، بل نقول ذلك ونحن نرى مؤثرات هذا الروح الأصيل منتشراً في فنون عربية وعالمية، فقد أثر الفن السومري في الكثير من فنون العالم وغدا الوجه السومري مادة لجواد سليم وغيره، وأثر تمثال جوديا ببيكاسو بشكل خاص. والزمن كفيل أن يبقي تلك البصمات القديمة علامة أو يمحوها. وأهم ملامح هذا الجدار الحالية، هو أن تقرأ من سياقاته تطور وارتكاس المجتمع العراقي، ففن الرسم مرآة حقيقية ترى من خلالها العلاقة الجدلية بين الفن والحداثة ، بين الفن وتطور المدينة. وما خلصت إليه في تلك المقالة للقول : أفضل ما يدل على الفن الأصيل هو أن يكون له جدار خاص به كشاهدة رمزية تواجهك أينما رحلت، أعني به الجدار الذي يعرض نفسه للضوء وللمطر، للرياح ولفضليات الطيور. وبالتالي يصبح لغة مقروءة حية ومستمرة في الحاضر، ودالة على ماضٍ. فالفن العراقي التشكيلي بنى نفسه بتجارب أبنائه وخبرتهم الخاصة فأسسوا له أحجارا ملونة تمتد على تواريخ العراق، وله أمكنته وتراثه واتجاهاته. فالجدار من العمق والتعميم لا يشكله فنان واحد، ولا جيل واحد، ولا تحدده مرحلة أو توصفه أيدولوجيا. بل هو جدار – تيار يتشكل من الحضور والغياب، ومن الكتابة والمحو، من التجربة الفردية والجماعية. ويستمد هويته من البنى المعرفية التي تأسست في العراق منذ الأكديين والسومرين وحتى اليوم، مرورا بالواسطي الكبير، وتوقفا عند رسوم عبد القادر الرسام في ذاكرة بغداد. وصولا إلى جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد وفائق حسن وحافظ الدروبي ومحمد غني حكمت ومحمد مهر الدين وضياء العزاوي ومن ثم الأجيال الجديدة التي أغنت تجربة الجدار وعمقتها بانجازات فنية قلما نجد لها مثيلا في تاريخ فن أي بلد عربي. ومن هنا فمفهوم الجدار في تلك المقالة ذهب إلى التوصيف العام، ولم يقف عند التفاصيل الكثيرة التي تشكل أحجاره وخصائصه وتياراته، ليتحول البحث لاحقا إلى مجرى يمكن أن نسير فيه لمعاينة تجارب فنية عراقية متميزة، مثل تجربة شاكر حسن آل سعيد.